بعض الأشياء تبقى لأنها
ترفض أن تنتهي.
ليست هذه حكاية عن الخزف. بل حكاية عمّا يحمله الإنسان معه حين يُسلَب منه كل شيء.
في عام ١٩٦٤، حين أُغرقت قرى النوبة تحت مياه السد، حُمِل أهلها بعيدًا عن أرض أجدادهم. تركوا البيوت. تركوا النخيل. تركوا قبور موتاهم تحت الماء.
ولكنهم لم يتركوا الطين.
كان الطين في أيديهم منذ ستة آلاف عام. منذ أن سبقت كِرما النوبية مصر الفرعونية في صناعة الفخار بآلاف السنين. منذ أن كانت أصابع جداتهم تعرف الشكل قبل أن تراه. حملوا الطين معهم — لا الطين نفسه، بل علم الطين. الذاكرة التي تعيش في اليد، لا في الكتاب.
في كل قرية نوبية جديدة، أُعيد رسم الزخارف ذاتها على جدران البيوت الجديدة. المثلثات، النجوم، الأهلّة، أشجار النخيل. لم تتغير. لأنها لم تكن زينة. كانت لغة. لغة تقول: نحن ما زلنا هنا. نحن لم نُمحَ.
أخذوا الأرض. ولم يستطيعوا أن يأخذوا النقش.
من هذه الفكرة وُلدت بيرنيل. ليست دارًا تصنع الخزف. بل دار تحفظ النقش. كل قطعة من بيرنيل هي توقيع حضارة على وعاء. كل لون مُختار من معجم لوني عمره ستة آلاف عام. كل خط مرسوم بيد إنسان عاش في القاهرة، يعرف ما تعنيه أن تكون وارثًا لحضارة لا تنتهي.
نحن لا نصنع خزفًا فاخرًا. نحن نصنع وعاءً يحمل ذاكرة.
"الحضارة لا تموت. تنام أحيانًا. ثم تستيقظ على يد صانع يعرف ما يفعل."
والذاكرة، حين تُحفظ في الطين المحروق، لا تموت.